محمد بن جرير الطبري

141

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

، و " دعى وأدعياء " . ولو جمعوه على أصله الذي هو أصله ، وعلى أن الواحد " نبيء " مهموز ، لجمعوه على " فعلاء " ، فقيل لهم " النبآء " ، على مثال " النبهاء " ، ( 1 ) لأن ذلك جمع ما كان على فعيل من غير ذوات الياء والواو من النعوت ، كجمعهم الشريك شركاء ، والعليم علماء ، والحكيم حكماء ، وما أشبه ذلك . وقد حكي سماعا من العرب في جمع " النبي " " النبآء " ، وذلك من لغة الذين يهمزون " النبيء " ، ثم يجمعونه على " النبآء " - على ما قد بينت . ومن ذلك قول عباس بن مرداس في مدح النبي صلى الله عليه وسلم . يا خاتم النبآء إنك مرسل . . . بالخير كلُّ هدى السبيل هداكا ( 2 ) فقال : " يا خاتم النبآء " ، على أن واحدهم " نبيء " مهموز . وقد قال بعضهم : ( 3 ) " النبي " و " النبوة " غير مهموز ، لأنهما مأخوذان من " النَّبْوَة " ، وهي مثل " النَّجْوَة " ، وهو المكان المرتفع ، وكان يقول : إن أصل " النبي " الطريق ، ويستشهد على ذلك ببيت القطامي : لما وردن نَبِيَّا واستَتَبّ بها . . . مُسْحَنْفِر كخطوط السَّيْح مُنْسَحِل ( 4 )

--> ( 1 ) في المطبعة : " النبعاء " وفي المخطوطات " النبآء " . ( 2 ) من أبيات له في سيرة ابن هشام 4 : 103 وغيرها . والضمير الفاعل في قول " هداكا " ، لله سبحانه وتعالى ، دل عليه ما في قوله " إنك مرسل بالخير " ، فإن الله هو الذي أرسله . وهو مضبوط في أكثر الكتب " كل " بالرفع ، و " هدى " ، و " هداكا " بضم الهاء . ( 3 ) كأنه يريد الكسائي ( البحر المحيط 1 : 220 ) . ووجدت في معجم البلدان 8 : 249 " وقال أبو بكر بن الأنباري في " الزاهر " في قول القطامي . . إن النبي في هذا البيت هو الطريق " ، وليس يعنيه أبو جعفر ، فإن أبا بكر قد ولد سنة 271 وتوفى 328 . وقد رد هذا القول أبو القاسم الزجاج - فيما نقل ياقوت - فقال : " كيف يكون ذلك من أسماء الطريق ، وهو يقول : " لما وردن نبيا " ، وقد كانت قبل وروده على الطريق ؟ فكأنه قال : " لما وردن طريقا " ، وهذا لا معنى له ، إلا أن يكون أراد طريقا بعينه في مكان مخصوص ، فيرجع إلى أنه اسم مكان بعينه ، قيل : هو رمل بعينه ، وقيل : هو اسم جبل " . وانظر تحقيق ذلك في معجم البلدان ، ومعجم ما استعجم ، وغيرهما . ( 4 ) ديوان : 4 ، في قصيدته الجيدة المشهورة ، والضمير في " وردن " للإبل ذكرها قبل . وروايته " واستتب بنا " . نبي كثيب رمل مرتفع في ديار بني تغلب ، ذكره القطامي في كثير من شعره . واستتب الأمر والطريق : استوى واستقام وتبين واطراد وامتد . مسحنفر ، صفة للطريق : واسع ممتد ذاهب بين . والسبح : ضرب من البرود أو العباء مخطط ، يلبس ، أو يستتر به ويفرش . شبه آثار السير عليها بخطوط البرد . وسجلت الريح الأرض فانسحلت : كشطت ما عليها . ووصف الطريق بذلك ، لأنه قد استتب بالسير وصار لاحبا واضحا .